محمد أبو زهرة

250

المعجزة الكبرى القرآن

وآسيته حين بخلوا ، وقمت معه عند المطاردة حين قعدوا وصحبته في الشدائد أكرم الصحبة ، ثاني اثنين ، وصاحبه في الغار ، والمنزل عليه السكينة والوقار ، ورفيقه في الهجرة ، وخليفته في دين اللّه وفي أمته أحسن الخلافة حين ارتد الناس ، فنهضت حين وهن أصحابك ، وبرزت حين استكانوا ، وقويت حين ضعفوا ، وقمت بالأمر حين فشلوا ، ونطقت حين تعتعوا « 1 » ومضيت بنور إذ وقفوا ، واتبعوك فهدوا ، وكنت أصوبهم منطقا ، وأطولهم صمتا ، وأكثرهم رأيا ، وأشجعهم نفسا ، وأعرفهم بالأمور ، وأشرفهم عملا ، كنت للدين يعسوبا « 2 » . أولا حين نفر عنه الناس ، وأخيرا حين قفلوا « 3 » . وكنت للمؤمنين أبا رحيما ، إذ صاروا عليك عيالا ، فحملك أثقال ما ضعفوا عنه ، ورعيت ما أهملوا ، وحفظت ما أضاعوا ، شمرت إذ خنعوا ، وعلوت إذ هلعوا ، وصبرت إذ جزعوا ، وأدركت أوتار ما طلبوا ، وراجعوا رشدهم برأيك فظفروا ، ونالوا بك ما لم يحسبوا . وكنت كما - قال رسول اللّه - آمن الناس عليه في صحبتك ، وذات يدك ، وكنت كما قال ضعيفا بدنك ، قويا في أمر اللّه ، فمتواضعا في نفسك ، عظيما عند اللّه ، جليلا في أعين الناس ، كبيرا في أنفسهم . لم يكن لأحد فيك مغمز ، ولا لأحد مطمع ، ولا لمخلوق عندك هوادة . الضعيف الذليل عندك قوى عزيز حتى تأخذ له حقه ، والقوى العزيز ضعيف ذليل حتى تأخذ منه الحق ، القريب والبعيد عندك سواء ، أقرب الناس إليك أطوعهم للّه ، شأنك الحق والصدق والرفق ، وقولك حكم وحتم ، وأمرك حلم وحزم ، ورأيك علم وعزم ، فأبلغت وقد نهج السبيل ، وسهل العسير ، وأطفأت النيران ، واعتدل بك الدين ، وقوى الإيمان ، وظهر أمر اللّه ولو كره الكافرون ، وأتعبت من بعدك إتعابا شديدا ، وفزت بالخير فوزا عظيما ، فجللت عن البكاء ، وعظمت رزيتك في السماء ، وهدت مصيبتك الأنام ، فإنا للّه ، وإنا إليه راجعون ، رضينا عن اللّه قضاءه ، وسلمنا له أمره ، فوالله لن يصاب المسلمون بعد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بمثلك أبدا ، فألحقك اللّه تعالى بنبيه ، ولا حرمنا أجرك ، ولا أضلنا بعدك . وسكت الناس ، حتى انقضى كلامه ، ثم بكوا حتى علت أصواتهم . 141 - هذه خطبة من عيون البيان العربي ، بل لعلها أبلغ خطبة بعد خطب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ولكن إن وضعناها بجوار القرآن أفلت ، كما تختفى النجوم إذا طلعت

--> ( 1 ) التعتعة في الكلام : التردد من حصر الوعي . ( 2 ) اليعسوب : الرئيس المقدم . ( 3 ) رجعوا .